القاضي النعمان المغربي
353
المناقب والمثالب
وتكلم يوما مع شوذب الخارجي فذكر ظلم سلفه ، فقال له شوذب : فلم لا تلعنهم وتبرأ منهم ؟ فقال له : فمتى عهدك أنت تلعن فرعون والبراءة منه ؟ قال شوذب : لا عهد لي بذلك . قال : أيسعك ترك ذلك من فرعون ولا يسعني تركه من قومي « 1 » ؟ فرأى أنه جاء بحجة وهذه غاية الجهل بالمناظرة ، وشوذب لم يتوسل بفرعون إلى شيء هو في يديه ولا تولاه كما تولّى هذا قومه ، وحاز ما اغتصبوه من بعدهم وجلس مجلسهم ، وشهادته بالظلم عليهم وهو يتوالاهم ويركن إليهم ، شهادة لنفسه بالنار ولهم باللعنة ، لأن اللّه يقول : أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ « 2 » وقال : وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ « 3 » . وقد قيل : إن سيرة عمر بن عبد العزيز إنما حمدت وذكرت بخير ، لما كانت ولايته بعقب ولاة قد بدّلوا أكثر شرائع الدين وسنن الإسلام ، وكان الناس معهم من الجور والظلم والتهاون بحرمات الدين في شيء صغر في جنب ما عاينوه منه ، فوصفوه بالورع والنسك . قالوا : وكيف يكون كذلك من جلد خبيب بن عبد اللّه بن الزبير مائة سوط في يوم بارد ثم صبّ عليه جرة ماء بارد حتى كزّ فمات ، فما ودّاه ولا استغفر وليّه من دمه ، وما كان خبيب ممّن لزمه ذلك ، ولو لزمه الضرب فكيف يعذّب بمثل هذا العذاب
--> ( 1 ) - الإمامة والسياسة : 2 / 135 ، تاريخ اليعقوبي : 2 / 307 ، شرح نهج البلاغة : 15 / 255 و 16 / 278 . ( 2 ) - سورة هود : 18 . ( 3 ) - سورة هود : 113 .